أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
284
التوحيد
على التصديق ، بل جعلوا الإسلام على الظاهر والباطن جميعا ، فهم خالفوا جميع ما احتجوا به . مع ما كان كل منهم إذا سئل عن الإيمان أضافه إلى جميع الخيرات ، فعلى قولهم خالفوا ما احتجوا به من القرآن ببيان الموضع له وبما جاء من تفسير الأمناء في ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه . وأما القول عندنا في الإيمان والإسلام إنه واحد في أمر الدين في التحقيق بالمراد ، وإن كانا قد يختلفان في المعنى باللسان ، ولما فيه من الاختلاف أبت أنفس الكفرة التسمّي بالإسلام ، وليس أحد منهم يأبى التسمّي بالإيمان ، أو لما كان من المعروف من الإسلام أنه اسم الدين ، وليس كذلك المعروف من الإيمان ، ولذلك قيل : دار إسلام ودار الكفر ، ولم يقل : دار إيمان ولا تكذيب ، وإن كان الكفر تكذيبا ، فعلى ذلك أمر التسمّي به . ثم من جهة التحقيق بالمراد في الدين إن الإيمان هو اسم لشهادة العقول والآثار بالتصديق على وحدانية اللّه تعالى ، وأن له الخلق ، والأمر في الخلق ، لا شريك له في ذلك ، والإسلام هو إسلام المرء نفسه بكليتها ، وكذا كل شيء للّه تعالى بالعبودية للّه لا شريك فيه ، فحصلا من طريق المراد فيهما على واحد ، إلا أن الأوّل بالإيمان باللّه وأن له ما ذكرنا ، والثاني في جعل ما ذكرنا للّه ، يشهد لما بيّنا قوله جل ثناؤه : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [ الزمر : 29 ] أن وصف المسلم بمن هو سلم لرجل ، والكافر بمن فيه شركاء متشاكسون . ثم قال قوم : الإسلام في اللغة الإخلاص ، وعلى ذلك قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ [ البقرة : 131 ] وقوله : آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ] إلى قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [ البقرة : 133 ] ، فهو على إخلاص العبد نفسه للّه تعالى ، ولا يجعل لأحد فيها شركا . وهو يرجع أيضا إلى ما بينا . وقال قائلون : الإسلام الاستسلام والخضوع للّه ، وعلى هذا أمر الأعراب أن يقولوا : أسلمنا ، لكن ذلك على الاستسلام للمؤمنين لا للّه كما قال جل وعلا : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [ الحشر : 13 ] ، وكما وصفهم في قوله : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ [ المنافقون : 4 ] ، وغير ذلك مما أظهر به خوف المنافقين من أصحاب رسول اللّه ؛ ولذلك كانوا يظهرون الإيمان باللّه ورسوله وينكرون بقلوبهم . والإسلام هو الخضوع للّه تعالى والاستسلام له بالاختيار على ما هم عليه للّه بالخلقة والجوهر ، والإيمان لا يتوجه إلى هذا الوجه ؛ فنفى عنهم ، وإن كانوا أظهروه من عند أنفسهم ؛ لأن حقه القلب ، واللسان معبّر عنه ؛ لذلك شهد اللّه تعالى على المنافقين بالكذب بما أخبروا من إيمانهم ؛ إذ حقيقته بالقلب ، ولم يكن لهم ذلك ؛ ولهذا ما بقي إيمانهم ، وأثبت لهم القول به لا غير ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إذ كان حقيقة الإسلام ما ذكرنا وحقيقة الإيمان ما ذكرنا ففاسد وجود أحدهما